سهيلة عبد الباعث الترجمان

345

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

عدمه على نور في نفسه ما قبل الوجود ولا تميّز عن المحال ، فبنور إمكانه شاهده الحق ، وبنور وجوده شاهده الخلق ، فبين الحق والخلق ما بين الشهودين ، فالحق نور في نور ، والخلق نور في ظلمة في حال عدمه ، وأما في حال وجوده فهو نور على نور لأنه الدليل على ربه " « 1 » . ويقول شعرا : أنظر إلى الكون في تفصيله عجبا * ومرجع الكل من العقبى إلى اللّه فالأصل متفق في الصور مختلف * دنيا وآخرة فالحكم للّه في اللّه من كونه مجلى لعالمه * ولا يرى الكون إلا لله باللّه فاعلم وجودك إن الحق موجده * ولكن بذاك على علم من اللّه « 2 » وجملة القول إن الخلق بجملته مجلى للحق وليس شيئا آخر ، ولهذا نبّه إلى هذا الأمر ، فكل مجلى للحق فيه جانب إلهي يكمن فيه ، فيكون هو الناظر للوجود بعين ذاته ، إذ أن الحق في تجليه للخلق يغلّب الجانب الحقي على الجانب الخلقي حيث أن الحقيقة الوجودية لها وجهان وجه للحق وآخر للخلق ، وهذا مذهب أهل الطريق في تعبيرهم عن تحققهم بهذا التجلي الدائم ، ووجود الموجودات جميعها به لكن دون معرفة كيفية هذا التجلي ، فهو أمر إلهي لا يعلمه إلا المتجلّي فقط ، ويجهل ذلك كله . ويشير ابن عربي في فتوحاته إلى ما جاء في قول الجنيد عندما سئل عن المعرفة والعارف فقال : " لون الماء لون إنائه ، ولما قبل الماء هذا اللون صار في العين مركبا من متلوّن ولون وهو في نفس الأمر شيء آخر ، فيعلم الماء ويعلم ذلك لون الإناء . هذا هو شأن التجليات في المظاهر الإلهية إذ أن العارف يدرك حقيقتها ذوقا دون توقف " « 3 » . على أن هذه التجليات ليست نوعا واحدا إذ أن هناك من التجليات ما له ظهور ، ومنها ما يخفى على العقل إدراكها لأنها فوق طور إدراكه ، لذلك يميز ابن عربي بين أنواع هذه التجليات ليقف على تجلي الأفعال وما ينشأ عنها من ظهور الكائنات فتجلي الأفعال إذن ينشأ عنه ما يمكن إدراكه ومعرفته وهي الكائنات التي تعبّر في مظهريتها

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 515 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 564 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 801 .